تطبيق القانون الجنائي من حيث الزمان-الأثر الفوري والرجعي لنص التجريم

سش
طويل

تعريف القانون

درج الفقهاء على تعريف القانون بأنه : 
“مجموعة القواعد العامة المجردة التي تنظم سلوك الأفراد في المجتمع، وتقترن بجزاء مادي يكفل احترامها” والقانون وفقا لهذا التعريف هو القانون بمعناه العام، وهذا المعنى هو المستفاد من لفظ القانون عند إطلاقه.

وهذا هو المعنى العام المقصود باصطلاح القانون.

غير أن اصطلاح القانون قد لا ينصرف إلى هذا المعنى العام، فقد يقصد به مجموعة القواعد القانونية التي تضعها السلطة التشريعية لتنظيم مسألة معينة، فيقال مثلاً قانون المحاماة أو قانون تنظيم الجامعات.
وفي هذه الحالة ينصرف اصطلاح القانون إلى معنى أضيق من المعنى السابق، حيث يقصد به التشريع فقط، وللعلم التشريع ليس هو القانون بمعناه الواسع ولكنه أحد مصادر القانون.

خصائص القاعدة القانونية

ويمكننا أن نخلص من التعريف السابق للقانون بأن القاعدة القانونية تتميز بخصائص ثلاث :

1. قاعدة عامة ومجردة
2. قاعدة تنظم سلوك الأفراد في المجتمع.
3. قاعدة مصحوبة بجزاء توقعه السلطة العامة على المخالف.

تعريف القانون الجنائي 

القانون الجنائي هو مجموعة القواعد القانونية التي تحدد الجرائم وتبين العقوبات المقررة على مرتكبيها.

وقانون العقوبات هذا يحوي بدوره نوعين من القواعد القانونية الموضوعية “الفرق بين القانون الجنائي العام والخاص”:
أ.  قواعد عامة: 
وتضم القواعد التي تخضع لها جميع الجرائم والعقوبات على اختلاف أنواعها، وتسمى مجموعة هذه القواعد ” قانون العقوبات القسم العام”.

ب – قواعد خاصة:

تضم القواعد التي تحدد كل جريمة على حدة من حيث بيان أركانها الخاصة وعقوبتها والظروف الخاصة بها، وتسمى مجموعة هذه القواعد “قانون العقوبات القسم الخاص” 

نطاق تطبيق النص الجنائي

وجود نص التجريم لا يكفى كى يخضع له الفعل أو الامتناع الذى يعاقب عليه النص، بل يلزم أن يكون الفعل داخلاً فى النطاق الزمنى والمكانى للنص، أى أن يكون القانون المتضمن للتجريم معمولاًبه وقت ارتكاب الجريمة ، وسارياً على المكان الذي ارتكبت فيه الجريمة. ويلزم بعد ذلك أن يكون القانون سارياً على شخص مرتكب الجريمة.

النطاق الزمني للنص الجنائي

يبدأ النطاق الزمني للنص الجنائي منذ لحظة نفاذه، وينتهى بإلغائه فنطاق سريان النص الجنائي يتحدد بالفترة الواقعة بين لحظة نفاذه ولحظة انقضائه.
فالنص الجنائى لا يطبق إلا إذا كان نافذاً، وهو لا يكون كذلك إلا بعد انقضاء شهر من اليوم التالى لتاريخ نشره بالجريدة الرسمية، طبقا لنص المادة 225 من الدستور المصري لعام 2014. وعلى ذلك لا تكفي موافقة مجلس الشعب على القانون لنفاذه، ولا يكفي إصدار رئيس الجمهورية للقانون، كما لا يكفى نشره فى الجريدة الرسمية حتى يكون نافذ المفعول، وإنما يتعين مضي شهر من تاريخ النشر. وتطبيقا لذلك لا يجوز تطبيق نص التجريم على فعل ارتكب قبل نفاذه، أى قبل مضى مدة شهر تبدأ من اليوم التالى لنشره فى الجريدة الرسمية.
ويظل النص الجنائى سارى المفعول، واجب التطبيق على ما يرتكب من أفعال، الى ان ينقضى بالإلغاء الذى قد يكون صريحاً أو ضمنياً. قالالغاء الصريح يتحقق حين يصدر قانون جديد يتضمن نصاً صريحاً يقرر انتهاء العمل بالقانون السابق، فتكون لحظة نفاذ القانون الجديد هي ذاتها لحظة إلغاء القانون السابق. أما الإلغاء الضمني فيتحقق حين يتضمن القانون الجديد نصاً يتعارض حكمه مع الحكم الوارد فى النص السابق، أو حين ينظم القانون الجديد ذات الموضوع الذي كان يتناوله بالتنظيم القانون السابق. وطبقا لقاعدة تدرج التشريعات من حيث القوة، فإن التشريع الجنائى لا يلغيه صراحة أو ضمناً إلا تشريع مساو له فى الدرجة أو أعلى منه، فالدستور يلغى القانون ضمناً إذا تضمن مبدأ يتعارض مع أحكام القانون، واللائحة يلغيها القانون، لكن لا يمكن ان تلغى القانون لكونه أعلى منها فى سلم التدرج التشريعي.
وإذا لم يلغ النص الجنائى بنص تشريعى آخر صراحة أو ضمناً، ظل نافذ سارى المفعول، ولو نشا عرف مخالف لحكم النص، فليس من شأن العرف ان يلغى نصا جنائيا. كما أن التشريع الجنائى يظل نافذاً ولا يفقد شيئاً من قوته الالزامية مهما طال عليه الزمن دون إلغاء، ويعنى ذلك أن عدم تطبيق النص مدة طويلة من الزمن لا يعد إلغاء له، كما أن تهاون السلطات العامة فى تطبيق النص أو التغاضي عن تطبيقه لاعتبارات معينة لا يشكك فى وجوده وقوته.
وإذا حددنا النطاق الزمني للنص الجنائي بالفترة الواقعة بين لحظة نفاذه ولحظة إلغائه، كان معنى ذلك تطلب وقوع الجريمة فى هذه الفترة، حتى يسري عليها النص ويعاقب مرتكبها بمقتضاه . فإذا وقعت الجريمة خلال هذه الفترة ، انطبق عليها النص، ولا يثير هذا الفرض أى صعوبة. لكن الصعوبة تثور عندما ترتكب الجريمة أثناء سريان قانون يعاقب عليها، إذا ألغى هذا القانون بعد ارتكابها وقبل محاكمة مرتكبها، وحل محله قانون جديد يتضمن نصوصا تختلف عن نصوص القانون السابق . ففى هذه الحالة يثور التساؤل عن القانون الواجب التطبيق على الجريمة المرتكبة، هل هو القانون السابق السارى وقت ارتكابها والذى لم يعد له وجود، ام هو القانون الجديد الساري وقت محاكمة مرتكب الجريمة، والذي لم يكن موجوداً وقت ارتكاب الجريمة؟.
تك هى مشكلة سريان النص الجنائي من حيث الزمان. وهذه المشكلة تثور بالنسبة للنص الجنائي موضوعيا كان أو شكليا، فالنصوص الموضوعية هي التي تقرر الجرائم والعقوبات، والنصوص الشكلية هي التى تحدد الإجراءات التى تتبع فى الاستدلال والتحقيق والمحاكمة وتشكيل المحاكم الجنائية وتحديد اختصاصها. لكن على الرغم من أن مشكلة السريان الزمني للنص الجنائي تعرض بصدد النصوص الموضوعية والشكلية على حد سواء ، فإننا سوف نقتصر فى هذا المقالة على دراسة المشكلة فيما يتعلق بالنصوص الجنائية الموضوعية التى تتضمن التجريم والعقاب، أما النصوص الشكلية أو الاجرائية ، فإن مشكلة السريان الزمني لها يجب تناولها فى موضعها الطبيعي وهو المقالات الخاصة بالإجراءات الجنائية.

والنطاق الزمني للنص الجنائي تحكمه قاعدة عامة تسري على كافة النصوص القانونية، وهى قاعدة الأثر الفوري للنص القانوني وانعدام الأثر الرجعى له. لكن هذه القاعدة ليست مطلقة، إذ توجد حالات يسرى فيها النص الجنائي باثر رجعي. من أجل ذلك نتناول في هذه المقالة قاعدة الأثر الفورى، ثم نحدد مجال رجعية النصوص الجنائية.

الأثر الفورى لنص التجريم

قاعدة الأثر الفوري للنصوص القانونية قاعدة عامة ، تنطبق على نصوص التجريم والعقاب، ويبررها فى المجال الجنائى مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات.

مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات

ويراد بمبداً قانونية الجرائم والعقوبات ان المشرع وحده هو الذي يملك تحديد الأفعال المعاقب عليها والمسماة “بالجرائم” وتحديد الجزاءات التي توقع على مرتكبيها والمسماه “بالعقوبات”. مما.يترتب عليه ان ليس للقاضي ان يعتبر الفعل من قبيل الجرائم ويعاقب مرتكبه مهما كان هذا الفعل منافي اللاًداب او المصلحة العامة إذا لم يكن منصوصا عليه في قانون العقوبات، ذلك لأنه ليس للقاضي حسب هذا المبدأ ان يخلق جرائم ولا أن يبتكر عقوبات.

أولاً: تأكيد قاعدة الأثر الفورى

الأصل فى القوانين أنها تسرى على ما يقع بعد نفاذها، ولا تسرى على ما سبقها من وقائع . فنطاق تطبيق القانون من حيث الزمان يتحدد بتاريخ نفاذه، ولا يكون له أثر رجعى، فلا ينطبق على ما تم قبل نفاذه من حوادث. هذا الأصل قرره الدستور كقاعدة عامة فى المادة 187 من دستور مصر لعام 1971، وهى تقضى بأنه “لا تسرى أحكام القوانين إلا على ما يقع من تاريخ العمل بها، ولا يترتب عليها أثر فيما وقع قبلها. ومع ذلك يجوز فى غير المواد الجنائية النص فى القانون على خلاف ذلك بموافقة أغلبية أعضاء مجلس الشعب”.
ولا يستند تقرير الأثر الفوري للنص الجنائي الى النص الدستوري السابق وحده، فقد قدر المشرع الدستورى ملاءمة تأكيد هذه القاعدة فيما يتعلق بنصوص التجريم والعقاب لخطورتها على الحريات الفردية، لذلك نصت المادة من دستور مصر لعام 1971 على أنه “….لا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون”. كما أن المشرع الجنائى لم يغفل النص صراحة على القاعدة فى قانون العقوبات، حيث نصت المادة الخامسة منه على أنه “يعاقب على الجرائم بمقتضى القانون المعمول به وقت ارتكابها” 
يتضح من النصوص السابقة أن الأصل فى النصوص الجنائية التى تقرر الجرائم العقوبات أنها لا تسرى إلا بأثر فورى، اى أنها لا تسرى إلا على الأفعال التي ترتكب بعد تاريخ نفاذها، ولا تسرى على الأفعال التي ارتكبت قبل هذا التاريخ. بعبارة أخرى أن نصوص التجريم والعقاب ليس لها أثر رجعي، فالنص الواجب التطبيق على الجريمة هو النص السارى وقت ارتكابها، وليس النص السارى وقت محاكمة مرتكبها.
ويفرض إعمال هذا الاصل حظر توقيع العقاب من أجل فعل كان مباحاً وقت ارتكابه، ولو صدر بعد ارتكابه قانون يجرم هذا الفعل، لان تطبيق القانون الجديد على الفعل الذى وقع قبل نفاذه يعنى سريان هذا القانون بأثر رجعى على وقائع سابقة على نفاذ هذا القانون. كما يفرض إعمال هذا الأصل حظر توقيع عقوبة أشد من العقوبة التي كانت مقررة للفعل وقت ارتكابه، ولو صدر قانون جديد يعاقب على الفعل بالعقوية الأشد قبل محاكمة مرتكب الفعل، فهذا الأخير لا توقع عليه سوى العقوبة الأخف التى كانت مقررة للفعل فى الوقت الذى ارتكب فيه، لأن العقاب على فعل بعقوبة أشد مما كان مقرر وقت ارتكابه معناه سريان القانون الجديد الذى شدد العقاب بأثر رجعى، وهذا غير جائز.
وقاعدة انعدام الأثر الرجعي للقانون، إن كانت تقبل استثناء فى غير المواد الجنائية طبقاً لنص المادة ١٨٧ من الدستور، فإنها في مجال القوانين الجنائية، التى تتعلق بالتجريم انشاءً وبالعقاب تشديدً، قاعدة مطلقة. فالمادة ٦٦ من الدستور قررت القاعدة بصورة مطلقة فى مجال التجريم، وهى كذلك فى مجال تشديد العقاب، ولذلك لا يجوز للمشرع العادى أن يصدرقانوناً جنائيا يعاقب على أفعال سابقة على تاريخ نفاذه، ولا أن يقرر تشديد العقاب على أفعال ارتكبت قبل نفاذه. وكل قانون يتضمن الخروج على هذه القاعدة الدستورية يعد قانون غير دستوري، لان الدستور لا يجيز للسلطة التشريعية أن تقرر للنص الجنائى أثراً رجعياً، على خلاف ما قرره للسلطة التشريعية فى غير المواد الجنائية ، فالمشرع الجنائي نفسه يتقيد بقاعدة الأثر الفورى للتشريع الجنائى فى مجال التجريم والعقاب، ومن ثم لا يجوز له الخروج عليها، ونص المادة الخامسة من قانون العقوبات الذي يقرر القاعدة، لا يعدو أن يكون مجرد ترديد لما جاء به النص الدستورى.

ثانياً: تبرير قاعدة الأثر الفورى

رأينا فيما سبق أن قاعدة عدم جواز تطبيق النص الجنائي بأثر رجعي تعد نتيجة طبيعية لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، وأن تاريخ هذه القاعدة فى التشريع المصرى مرتبط بتاريخ مبدأ الشرعية. وهذا المعنى ملحوظ فى مسلك المشرع الدستورى الذى جمع بين مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات وقاعدة عدم الرجعية فى نص واحد، وهو نص المادة ٦٦ من الدستور، الذى جعل من قاعدة عدم رجعية نصوص التجريم والعقاب نتيجة لازمة لمبدأ الشرعية المقرر فى صدر هذه المادة . ولا يخفى التلازم المنطقي بين قاعدة عدم الرجعية للنص الجنائي ومبدأ الشرعية، فالواقع أن تطبيق نص التجريم على وقائع سبقت تاريخ نفاذه، معناه إهدار مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات. ذلك أن التسليم بإمكان رجعية نص التجريم الى الماضى، مقتضاه إمكان تطبيق هذا النص على فعل كان مباحاً وقت ارتكابه أو العقاب على فعل بعقوبة أشد مما كان مقرراً له من عقوبة وقت ارتكابه، والتسليم بهذا يفترض إنكاراً تاما لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، ومقتضاه كما رأينا عدم جواز التجريم والعقاب إلا فى الحدود التى يقررها نص التجريم الذي كان نافذاً وقت ارتكاب الفعل.
من أجل ذلك كان احترام مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات مقتضياً قصر نطاق سريان نص التجريم على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذه، وحظر تطبيقه على الأفعال التي سبقت نفاذه، وذلك هو مضمون قاعدة عدم رجعية نص التجريم الى الماضى.

ثالثاً: تطبيق قاعدة الأثر الفورى

قاعدة انعدام الأثر الرجعي لنص التجريم يقتصر تطبيقها على القانون الجديد الذي يجرم فعلاً كان قبل صدوره مباحاً أو يعاقب عليه بعقوبة اشد مما كان مقرراً له وقت ارتكابه. ولذلك لا يعد قانوناً جديداً فى خصوص تطبيق هذه القاعدة القانون الذي يتضمن تفسيراً تشريعياً لقانون قائم ونافذ وقت ارتكاب الفعل. فالقانون التفسيرى، الذى يقصد منه المشرع مجرد ازالة الغموض فى قانون سابق دون إضافة نصوص جديدة أو تعديل أحكام موجودة، لا يعتبر قانوناً جديداً، بل يعد جزءاً لا يتجزأ من القانون الأصلى الذى قصد المشرع تفسيره ويلحق به من تاريخ صدوره، ومن ثم يسرى على الأفعال التى وقعت بعد صدور القانون محل التفسير وقبل صدور القانون التفسيري.

وعدم تطبيق قاعدة الأثر الفوري للقانون على النصوص التفسيرية، يستند الى أن هذه النصوص لا تضيف جرائم جديدة ولا تشدد عقوبات مقررة فى القانون محل التفسير، وإنما هى تقتصر على توضيح أحكام هذا القانون. لذلك كان على القاضى أن يتأكد من أن الأمر يتعلق بنصوص تفسيرية ، وليس بنصوص جديدة ، قصد المشرع تحت ستار التفسير إدراجها ضمن القانون السابق، كى تطبق بأثر رجعى. والعبرة فى تحديد الوصف الحقيقي للنصوص هى بحقيقة الواقع، وليس بالوصف الذى يضفيه عليها المشرع، فإن تأكد القاضي من أنها ليست نصوصاً تفسيرية، تعين عليه إخضاعها لقاعدة عدم الرجعية، ولو كان المشرع قد وصفها بغير حقيقتها.
قاعدة الأثر الفوري للقانون لا تنطبق إذن إلا على القوانين الجديدة، فهذه القوانين تسرى فقط على الأفعال المرتكبة بعد نفاذها. ولا يقتضى تطبيق القاعدة سوى التحقق من تاريخ نفاذ النصوص الجديدة، وتحديد وقت وقوع الجريمة، والتأكد من أن هذا الوقت لاحق على تاريخ نفاذ القانون. ووقت وقوع الجريمة هو الوقت الذى ارتكب فيه الفعل المكون لها وليس وقت تحقق نتيجتها، فإن ارتكب الفعل فى ظل قانون معين، لكن النتيجة تراخت عن وقت ارتكاب الفعل فلم تحدث إلا فى ظل قانون جديد، كان القانون الواجب التطبيق هو القانون الذي ارتكب الفعل أثناء سريانه، إلا إذا كان القانون الجديد أصلح للمتهم كما سنرى.
ويسري القانون الجديد على الأفعال التي تقع بعد تاريخ نفاذه. ولو كانت هذه الأفعال استمراراً لحالة او استكمالا لافعال بدات قبله. فالجريمة المستمرة والجريمة المتتابعة تسري عليها النصوص الجديدة، ولو كانت اشد من النصوص التى بدأت فى ظلها أفعال الجريمة. ولا يقال فى هذه الحالة ان النصوص الجديدة قد طبقت بأثر رجعي، لان هذه النصوص تسرى بأثر فورى على النشاط الاجرامى الذى تحقق فى ظلها، ولا شأن لها بما سبق نفاذها من نشاط. فمتى كان النشاط الاجرامى المكون للجريمة لم ينته وقت صدور القانون الجديد، كان سريان هذا القانون عليه بمثابة تطبيق له على نشاط جديد لم يتحقق إلا بعد نفاذ القانون الجديد، وليس هذا القانون هو الذي رجع أثره الى ما سبق نفاذه من نشاط. من أجل ذلك لم يكن ممكناً سريان القانون الجديد على الجريمة المستمرة أو الجريمة المتتابعة إذا كانت حالة الاستمرار أو كانت أفعال الجريمة قد انتهت قبل نفاذه، لأن هذا السريان هو الذى يعد من قبيل إعمال الاثر الرجعى للقانون بخصوص جريمة ارتكبت كاملة قبل نفاذه.

الأثر الرجعى لنص التجريم

قاعدة الأثر الفورى لنص التجريم لا تسرى إلا على النصوص التى تسىء الى مركز المتهم، وهى تكون كذلك إذا كانت تجرم فعلاً مباحا وقت ارتكابه أو تشدد العقاب على فعل كان معاقبا عليه بعقوبة أخف وقت ارتكابه. أما النصوص التى تكون أصلح للمتهم، فإنها تسرى على الماضى، أى تطبق بأثر رجعى على الوقائع التي سبقت صدورها. ونعتقد أن سريان القانون الأصلح للمتهم بأثر رجعي لا يعتبر استثناء من قاعدة الأثر الفوري للقانون، وإنما يعد قاعدة مكملة لقاعدة الأثر الفورى. ويستثنى من قاعدة سريان النصوص الأصلح للمتهم بأثر رجعي القوانين المحددة الفترة.
وسنتناول قاعدة الأثر الرجعي للنصوص الأصلح للمتهم والاستثناء الوارد عليها فيما يلى:

أولاً: سريان النصوص الأصلح للمتهم بأثر رجعي 

سريان النصوص الأصلح للمتهم على الجريمة التي ارتكبت قبل صدورها، قاعدة مقررة فى التشريع المصرى بنص صريح، يحدد الشروط اللازمة لتطبيقها.

أ. ماهية القاعدة وتبريرها 

قاعدة سريان النصوص الأصلح للمتهم بأثر رجعي قررتها المادة الخامسة من قانون العقوبات فى فقرتها الثانية، التي تنص على أنه “ومع هذا إذا صدر بعد وقوع الفعل وقبل الحكم فيه نهائياً قانون أصلح للمتهم فهو الذى يتبع دون غيره”. مقتضى هذا الحكم أن النص الجنائى الأصلح للمتهم يطبق بأثر رجعى على الأفعال التي ارتكبت قبل صدوره، فهذه الأفعال لا يسرى عليها النص الذى كان سارياً وقت ارتكابها، وإنما يسرى عليها النص الذى يكون نافذا وقت المحاكمة عنها. ويعنى ذلك أن النص الجنائى الأصلح للمتهم يمتد نطاق سريانه الى الماضى، أى الى وقت لم يكن له فيه وجود. 
وتطبيقاً لهذه القاعدة، فإذا ارتكب شخص فعلاً معافباً عليه وقت ارتكابه، ثم صدر بعد ذلك قانون جديد يرفع عن الفعل الصفة الاجرامية او يخفف العقاب المقرر له، طبق على مرتكب الفعل القانون الجديد على الرغم من أنه لم يكن موجودا وقت ارتكاب الجريمة. بعبارة اخرى ان القانون الجديد الاصلح للمتهم يسرى باثر فورى على كل فعل لم يصدر بشأنه حكم نهائى، ولو كان الفعل قد ارتكب فى ظل قانون سابق، ولذلك قلنا أن تطبيق القانون الأصلح للمتهم بأثر فورى على ما سبق صدوره من أفعال يعد قاعدة مكملة لقاعدة عدم سريان القانون الأسوأ للمتهم على الأفعال التى ارتكبت قبل نفاذه.
وقاعدة سريان النصوص الأصلح للمتهم باثر فورى على الأفعال التى وقعت قبل صدورها والتى لم يكن المتهم قد حوكم عنها بصفة نهائية، مقررة لمصلحة المتهم، ولذلك فهى لا تناقض مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، الذى تبرره مصلحة المتهم فى ألا يعاقب على فعل إلا وفقا للقانون الذى كان سارياً وقت ارتكابه حماية لحقوق الأفراد وحرياتهم. فإذا كان القانون الجديد يتفوق على القانون الذى ارتكب الفعل فى ظله فيما يتعلق بتحقيق مصلحة المتهم، فمعنى ذلك أن تطبيق القانون الجديد لا يصطدم بمبدأ الشرعية الجنائية ولا ينطوى على مخالفة له. 
يضاف الى ذلك أن هذه القاعدة تبررها مصلحة المجتمع كذلك، فليس من المصلحة الاجتماعية أن يجرم فعل لم يعد المشرع يرى فائدة فى تجريمه، أو أن يعاقب على فعل بعقوبة تزيد على ما هو ضروري لحماية المجتمع، فإذا صدر قانون جديد يلغى العقوبة أو يخفف منها، كان معنى ذلك انما لم تعد مجدية فى حماية الجماعة، ويكون فى الاصرار على توقيعها تعسف فى استعمال المجتمع لحقه في العقاب وظلم لمن توقع عليه، بالإضافة الى ما يتضمنه ذلك من تأخير تطبيق قانون جيد، فسر المشرع أنه أدنى لتحقيق مصلحة المجتمع التى تتوافق في هذه الحالة مع مصلحة المتهم.

ب- شروط تطبيق القاعدة

يشترط لتطبيق النص الجنائي بأثر رجعي على أفعال ارتكبت قبل صدوره توافر شرطان، نصت عليهما المادة الخامسة من قانون العقوبات، وهما : أن يكون القانون الجديد أصلح للمتهم من القانون الذي ارتكبت الجريمة فى ظله، وأن يكون القانون الجديد قد صدر قبل أن يحكم على المتهم نهائياً.
الشرط الأول: أن يكون القانون الجديد أصلح للمتهم 
صلاحية القانون الجديد للمتهم هى مناط تطبيقه على الأفعال السابقة عليه، فإذا كان القانون الجديد يسيء الى مركز المتهم امتنع تطبيقه بأثر رجعى، وطبق عليه القانون الذى كان سارياً وقت ارتكاب الفعل.
وقد عرفت محكمة النقض المصرية القانون الأصلح للمتهم بأنه “القانون الذي ينشئ للمتهم مركزاً أو وضعا يكون أصلح له من القانون القديم”.
وفى ضوء هذا التعريف يمكن أن نوجز الضوابط العامة التي يمكن أن يسترشد بها القاضى لتحديد ما إذا كان القانون الجديد أصلح للمتهم، فيطبق عليه بأثر رجعى، أم أنه أسوا من القانون القديم، فلا يطبق عليه بأثر رجعى، ثم نعرض لكيفية تطبيق هذه الضوابط على الفروض المختلفة:
1. ضوابط تقدير صلاحية القانون للمتهم :
لا يعتد فى تحديد القانون الاصلح للمتهم بالعامل الشخصى، أى بتقدير المتهم لما هو أصلح له من وجهة نظره، فلا يجوز للقاضى أن يخير المتهم بين قانونين كى يحدد أيهما أصلح له، لأن تقدير صلاحية القانون يتم على أساس موضوعى ، يستند الى القانون ذاته وما يقرره من أحكام؛ لذلك كان من واجب القاضي أن يحدد القانون الأصلح للمتهم وفق ضوابط معينة لا يعتد فيها برأى المتهم ، فقد يرى المتهم المعسر أن الحبس المقرر فى القانون الجديد أخف بالنسبة له من الغرامة التي كان يقررها القانون القديم، ومع ذلك فليس من شأن هذا التقدير الشخصى ان يغير ما هو مستقر عليه فى تحديد الصلاحية من ان الغرامة عقوبة أخف دائماً من عقوبة الحبس.
وفي تقدير الصلاحية لا يجب النظر إلى القانون موضوع التقدير فى جملته. أى من حيث اتجاهه العام إلى التيسير او التشديد على المتهم. وإنما ينبغي تقدير صلاحية القانون الجديد منظوراً إليه من حيث انطباقه على واقعة محددة، أى فى جريمة معينة وعلى مجرم ذى ظروف معينة، وعلى أساس هذه المقارنة بين القانون الجديد والقانون القديم يكون تحديد ايهما اصلح للتطبيق على واقعة الحال المعروضة على القاضي. فالقانون الذي يترتب على تطبيقه فى الواقعة المعروضة عدم توقيع العقاب مطلقا أو تخفيفه بالنسبة للمتهم فى تلك الواقعة يكون هو الأصلح له، ولو كان تطبيقه على غيره من المتهمين فى ذات الواقعة يترتب عليه تشديد العقاب.
 
وعلى ذلك قد تكون نتيجة المقارنة بين قانونين إيجابية بالنسبة لمتهم وسلبية بالنسبة إلى متهم أخر، فهى تكون إيجابية إذا كان المتهم يستفيد من القانون الجديد لكونه أصلح القانونين له، وتكون سلبية إذا كان المتهم الآخر يضر بمركزه القانون الجديد لكونه بالنظر الى ظروفه الخاصة ليس أصلح القانونين له.
وقد يكون القانون الجديد متضمناً بعض الأحكام لمصلحة المتهم وأحكاما أخرى فى غير مصلحته ، فيطبق عليه ما هو فى مصلحته ويكون له أثر رجعى، أما الأحكام الأخرى فلا تسرى على المتهم بأثر رجعى . لكن شرط تجزئة أحكام القانون الجديد بالنسبة للمتهم ألا يكون بعضها مرتبطاً ببعض بحيث لا يمكن تجزئتها، فإذا كانت كذلك وجب النظر إليها فى مجموعها، وتقدير صلاحيتها للمتهم مقارنة بالأحكام المماثلة لها فى القانون السابق.
2. إعمال ضوابط صلاحية القانون 
إذا وضعنا فى الاعتبار الضوابط السابقة، أمكن القول بأن هناك فروضاً لا تثير شكاً فى صلاحية القانون الجديد للمتهم، وهناك حالات يمكن أن يختلف الرأى بشأنها:
• فمما لا شك فيه أن القانون الجديد يكون أصلح للمتهم إذا كان يلغى نص التجريم الذى كان يتضمنه القانون السابق، إذ فى هذه الحالة يصبح الفعل الذى كان مجرما من قبل مشروعاً من الناحية الجنائية. ويكون القانون الجديد أصلح للمتهم إذا كان يقرر سبب إباحة للفعل أو مانع مسؤولية أو مانع عقاب يستفيد منه المتهم . والقانون الجديد الذى يضيف ركناً جديداً الى الجريمة أو شرطاً للعقاب لم يكن متطلبا فى القانون السابق يعد أصلح للمتهم، لما يترتب عليه من عدم اكتمال أركان الجريمة بالنسبة للمتهم طبقا للقانون الجديد، مثال ذلك أن يتطلب القانون الجديد فى الجريمة ركن الاعتياد الذي لم يكن لازما لقيامها فى القانون السابق، فمقتضى تطبيق القانون الجديد تبرئة من ارتكب الفعل الواحد المعاقب عليه طبقا للقانون القديم. كما يعد القانون الجديد أصلح للمتهم إذا كان يجيز للقاضي وقف تنفيذ العقوبة او يقصر مدة وقف تنفيذها.
ومن المتفق عليه كذلك ان القانون الجديد الذى يقرر للفعل عقوبة أخف من العقوبة المقررة في القانون السابق يكون دون شك أصلح للمتهم من سابقه. لكن متى تكون العقوبة الجديدة أخف من العقوبة القديمة؟
• تكون العقوبة الجديدة أخف إذا كانت أقل درجة من العقوبة السابقة، بحسب ترتيب العقوبات من حيث شدتها فى المواد ١٠، ١١ ، ٢ ١ من قانون العقوبات المصري. فالعقوبات المقررة للجنح أخف من العقوبات المقررة للجنايات، والعقوبات المقررة للمخالفات أخف من العقوبات المقررة للجنح. وترتيبا على ذلك، يكون القانون الجديد أصلح للمتهم إذا استبدل بعقوبة الجناية عقوبة الجنحة، أو استبدل بعقوبة الجنحة عقوبة المخالفة.
• وإذا كانت العقوبات المقررة فى القانونين لجرائم من نوع واحد، كما لو كانت من عقوبات الجنايات أو من عقوبات الجنح أو من عقوبات المخالفات، فأخفها هو الأدنى فى الدرجة طبقا لما ورد فى ترتيبها فى قانون العقوبات. فالسجن كعقوبة جنائية أخف من الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة، والغرامة كعقوبة أخف من الحبس. والعبرة بترتيب العقوبات من حيث نوعها ودرجتها، بغض النظر عن المدة المحددة لكل عقوبة، فعقوبة السجن لمدة عشر سنوات أخف من عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة لمدة ثلاث سنوات. وعدم الاعتداد بمدة العقوبة لتحديد ما إذا كانت أخف أو أشد فى حالة الاختلاف بين العقوبات فى النوع يثير خلافا بالنسبة للحبس مع الشغل والحبس البسيط. فقد ذهب رأى الى اعتبار الحبس مع الشغل عقوبة من نوع مخالف أشد من عقوبة الحبس البسيط، ويترتب على هذا الرأى أن عقوبة الحبس مع الشغل تكون دائما أشد من عقوبة الحبس البسيط ولو كان لمدة أطول، وقد قضت محكمة النقض بذلك مقررة أن الحبس مع الشغل أشد من الحبس المطلق ولو أضيفت إليه غرامة. 
أما الرأي الآخر فيذهب الى اعتبار الحبس مع الشغل والحبس البسيط عقوبتان من نوع واحد مقررتان للجنح، ويترتب على هذا الرأى أن تكون المدة هى ضابط التفرقة بينهما من حيث الشدة ، فالحبس البسيط يعد عقوبة أخف من الحبس مع الشغل إن كانت مدة الثانى تزيد على مدة الأول، وقد سبق لمحكمة النقض أن أخذت بهذا الرأى قبل أن تعدل عنه معتنقة الرأى الأول. وفى تقديرنا أن الحبس مع الشغل والحبس البسيط عقوبة واحدة مقررة لنوع واحد من الجرائم هو الجنح، ولذلك ينبغى أن تكون المدة هي معيار التفرقة بينهما من حيث الشدة، فالحبس البسيط لمدة ستة شهور أشد من الحبس مع الشغل لمدة ثلاثة شهور، لكن إذا تساوت مدة الحبس مع الشغل ومدة الحبس البسيط فى القانونين ، فلا مناص من اعتبار القانون الذى يقرر الحبس البسيط أصلح للمتهم من القانون الأخر.
• وإذا كانت العقوبات المقررة فى القانونين متماثلة من حيث نوعها، كما لو كانت الأشغال الشاقة أو السجن أو الحبس، فضابط التفرقة بينهما هو المدة المقررة بالنظر الى الحدين الأدنى والأقصى للعقوبة ، فالقانون الأصلح هو الذى يقرر للعقوبة مدة أقل سواء فى حديها الأدنى والأقصى أوفى أحد الحدين مع بقاء الحد الآخر على ما كان عليه فى القانون السابق، كما لو خفض الحد الأدنى للعقوبة مع الإبقاء على الحد الأقصى كما هو، أو على العكس خفض القانون الجديد الحد الأقصى وابقى الحد الادنى كما كان عليه فى القانون السابق.
لكن الصعوبة تبدو حين يكون القانون الجديد أصلح للمتهم من وجه دون وجه. 
• ويحدث ذلك عندما يخفض القانون الجديد أحد الحدين ويرفع فى الوقت نفسه الحد الآخر ، كما لو خفض الحد الأقصى للعقوبة ورفع حدها الأدنى، أو على العكس خفض الحد الأدنى للعقوبة ورفع حدها الأقصى. وقد اختلفت الآراء فى تحديد ما إذا كان القانون الجديد أصلح للمتهم أو أسواً بالنسبة له .
فذهب رأى الى أنه يجب على القاضى أن يأخذ من القانونين ما هو أصلح للمتهم، ومعنى ذلك أن يستمد القاضى من كل قانون الحد الأصلح للمتهم، فيوقع عليه الحد الأدنى الأصلح أو الحد الأقصى الأصلح فى أى القانونين. وهذا الرأى غير مقبول، لأنه يؤدى الى خلق عقوبة جديدة غير مقررة فى أى من القانونين، فيصنع القاضى قانوناً ثالثاً لا وجود له ، وهو ما يخرجه عن حدود سلطاته فى تطبيق القانون.
وذهب رأى ثان الى القول بوجوب ترك الخيار بين القانونين للمتهم نفسه كى يحدد القانون الذى يراه محقق لمصلحته، فمتى كان كل قانون أصلح للمتهم من وجه دون الآخ، تعين ترك الأمر للمتهم ليختار القانون الذى يرغب فى تطبيقه من بينهما. وهذا الرأى غير مقبول بدوره، لأن تحديد القانون الواجب التطبيق من عمل القاضى، ولا يجوز أن يكون للمتهم رأى فى ذلك.
ويرى فريق ثالث من الشراح أن القانون الذى يخفض الحد الأدنى للعقوبة هو أصلح القانونين للمتهم ولو رفع فى الوقت نفسه الحد الأقصى. وسند هذا الرأى أن الحد الأدنى للعقوبة يكشف عن تسامح القانون ويمثل مدى ما يأمله المتهم من القاضى لكونه يتيح له الاستفادة من أقصى درجات التحفيف. لكن هذا الرأى يؤخذ عليه أنه يعرض المتهم الى خطر تطبيق الحد الأقصى الأشد ، وهو خطر لا يبرره مجرد الأمل غير المحقق فى الاستفادة بالحد الأدنى المنخفض .
ويذهب رأى أخير الى أن العبرة بالحد الأقصى للعقوبة ، فالقانون الأصلح للمتهم هو الذى يخفض الحد الأقصى وإن رفع حدها الأدنى. وحجة هذا الرأى أنه يتفق والحكمة من عدم رجعية القوانين الجنائية، وهى ألا يعاقب المتهم بعقوبة لم يكن يتوقعها وقت ارتكاب الفعل، وهذا لا يكون إلا فى الحد الأقصى، أما زيادة الحد الأدنى فلا تدخل فى هذا المعنى، لأن الزيادة فى العقوبة عن الحد الأدنى متوقعة فى الغالب، وإذا قدر القاضى أن المتهم جدير بالحد الأدنى المنخفض ففى وسعه أن يحقق له ذلك عن طريق الظروف المخففة. وهذا الرأى يمتاز عن غيره بطابعه العملى ورعايته لمصلحة المتهم، لكن يعيبه ما قد يؤدى اليه من الإساءة الى متهم يستحق الحد الأدنى المخفض للعقوبة، إذا كانت الظروف المخففة لا تسمح للقاضى بالوصول اليه.
والذي نراه أن تحديد القانون الأصلح للمتهم فى هذه الحالة ينبغى أن ينظر فيه الى الواقعة المعروضة على القاضي، فلا يكون تحديداً مجرداً من ظروف الواقعة ومرتكبها، وقد سبق أن قررنا أن تقدير الصلاحية لا ينظر فيه الى القانون موضوع التقدير بصفة مجردة، وإنما ينبغي النظر اليه من حيث انطباقه على واقعة محددة. وما سبق أن انتهينا اليه هو السبيل الى حل الصعوبة فى حالة كون القانون الجديد أصلح للمتهم من وجه دون وجه، فظروف المتهم هى التى ترشد القاضي فى اختيار القانون الأصلح له ، فإن وجد أنه جدير بالرأفة طبق عليه القانون الذى يخفض الحد الأدنى بصرف النظر عن الحد الأقصى المرتفع ، وإن قدر أنه جدير بالتشديد طبق عليه القانون الذى يخفض الحد الأقصى باعتباره الأصلح له بصرف النظر عن الحد الأدنى الذى لا أمل له فيه.
• والقانون الذى يترك للقاضي الخيار بين عقوبتين يعد أصلح للمتهم من القانون الذى يلزم القاضي بالحكم بالعقوبتين معا، فالقانون الذى يقرر للجريمة عقوبة الحبس أو الغرامة أصلح من القانون الذى يقرر لها عقوبة الحبس والغرامة معا . وإذا قرر أحد القانونين الخيار بين عقوبتين وقرر الآخر عقوبة واحدة ، فأصلح القانونين هو الذى يقرر عقوبة واحدة إن كانت أخف العقوبتين ؛ أما إذا كانت أشد ، فالقانون الذى يقرر عقوبتين هو الأصلح للمتهم . وتطبيقاً لذلك يكون القانون الذى يقرر الغرامة فقط أصلح من القانون الذى يقرر الحبس أو الغرامة، والقانون الذى يقرر الحبس أو الغرامة أصلح من قانون يقرر الحبس فقط .
• وقد يقرر القانون الجديد للجريمة نفس العقوبة الأصلية السابقة، لكنه يضيف اليها عقوبات تبعية أو تكميلية لم يكن لها وجود فى القانون السابق، أو يخضعها لاحكام أشد مما كان يقرره القانون الآخر، ففى هذه الحالة لا يكون القانون الجديد أصلح للمتهم.
• وقد تتعدد القوانين فى الفترة بين ارتكاب المتهم للجريمة والحكم النهائى، فيثور البحث فى أى هذه القوانين أصلح للمتهم. ويعرض هذا الفرض حين يرتكب المتهم جريمته فى ظل قانون، ثم يصدر قانون آخر يلغى قبل الحكم النهائي، ويصدر قانون ثالث يحل محله. يذهب الرأى الغالب فى الفقه الى أن القانون الذى يطبق على المتهم هوأصلح القوانين الثلاثة، إذ لا شأن للمتهم بتأخير الحكم فى دعواه، ولا ينبغى أن يضار من هذا التأخير بحرمانه من تطبيق القانون الذي يحقق مصلحته ولو كان قد ألغى قبل أن يصدر الحكم النهائى . وقد أخذت محكمة النقض في مصر بهذا الرأى. 
ومع ذلك يرى بعض الفقه أنه لا عبرة بالقانون الأوسط الذى ألغى قبل الحكم النهائي ، لأن هذا القانون لم يكن موجوداً عند ارتكاب الجريمة ولم يعد له وجود قبل صدور الحكم، وأن المفاضلة تكون بين القانون الذى وقعت الجريمة فى ظله والقانون الساري وقت تطبيق العقوبة. وحجة هذا الرأي أنه لا يصح القول بتعلق حق للمتهم فى قانون معين غير القانون الذى خالف أحكامه أو القانون المطلوب محاكمته وفقا له ، فالمفاضلة لا ينبغى أن تكون إلا بين هذين القانونين، بحيث يستبعد منها القانون الثالث لا سيما بعد أن ألغى لثبوت عدم صلاحيته. ونحن نؤيد الرأي الغالب، لأن من شان الأخذ به تحقيق مصلحة المتهم الذى قد يضار من تأخير محاكمته دون ما خطأ من جانبه، كما أن من مزايا الأخذ به حث السلطات العامة على التعجيل بمحاكمة المتهم حتى لا يظل مصيره معلقاً لفترة طويلة.

الشرط الثاني : أن يكون القانون الجديد قد صدر قبل الحكم نهائيا فى الدعوى

يلزم لإمكان سريان القانون الأصلح بأثر رجعي ” صدور القانون الأصلح للمتهم قبل صدور حكم نهائى ضده”. وعلة هذا الشرط أن مركز المتهم لا يتحدد إلا بالحكم النهائى، فإذا صدر هذا الحكم حاز قوة الشىء المحكوم فيه وكان عنوانا للحقيقة، فلا يجوز أن يترتب على صدور قانون جديد المساس بالحكم احتراماً لقوته.
ويقتضى بيان هذا الشرط أن نحدد المقصود بالحكم النهائى من ناحية، و بصدور القانون من ناحية أخرى.

1. الحكم النهائي 

 يكون الحكم الجنائى نهائياً إذا أصبح غير قابل للطعن فيه بأى طريق، سواء بالطريق العادى أو بالطريق غير العادى فما عدا التماس إعادة النظر، وعلى ذلك يكون الحكم النهائى فى هذا الخصوص هو الحكم الذي لا يقبل الطعن فيه بالمعارضة أو بالاستئناف أو بالنقض. والحكم يصبح غير قابل للطعن فيه إما لأن طرق الطعن فيه قد استنفدت وإما لأن مواعيد الطعن فيه قد انقضت. وقبل ان يصير الحكم نهائيا، يجب تطبيق القانون الجديد الأصلح للمتهم، سواء صدر هذا القانون أثناء ميعاد الطعن أوفى أثناء نظر الدعوى أمام محكمة الطعن. فإذا صدر القانون الأصلح فى أثناء سريان ميعاد الطعن بالمعارضة أو فى أثناء نظرها، أو فى مدة الطعن بالاستئناف أو فى أثناء نظره، وجب تطبيقه على واقعة الدعوى. وكذلك الأمر إذا صدر القانون الجديد الأصلح فى ميعاد الطعن بالنقض، وفى هذه الحالة يجوز أن يكون الطعن بالنقض مبنياً على سبب وحيد هو مطالبة المحكوم عليه بتطبيق القانون الجديد، كما يجوز تقديم هذا السبب إذا صدر القانون الجديد أثناء نظر الطعن بالنقض المبنى على سبب آخر. 
وقد قررت المادة ٣٥ من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض أن للمحكمة أن تنقض الحكم لمصلحة المتهم من تلقاء نفسها إذا صدر بعد الحكم المطعون فيه قانون يسرى على واقعة الدعوى.

2. صدور القانون الأصلح للمتهم 

يراد بصدور القانون فى هذا الخصوص مجرد نشره فى الجريدة الرسمية، ولو لم يكن قد أصبح نافذاً بسبب عدم مضي المدة التي يلزم انقضائها بعد تاريخ النشر لصيرورة القانون نافذاً. ويعنى ذلك أن القاضى يلتزم بتطبيق القانون الجديد الأصلح للمتهم بمجرد نشره قى الجريدة الرسمية، ودون حاجة لانتظار العمل به أو نفاذه. وبهذا يكون المشرع قد ميز بين النصوص التى تسىء الى مركز المتهم، ولا يعمل بها إلا من تاريخ نفاذها، والنصوص الأصلح للمتهم، وتطبق بمجرد صدورها دون حاجة الى انتظار نفاذها. وتؤيد صياغة نص المادة الخامسة من قانون العقوبات المصري هذه التفرقة بين النصوص، فالفقرة الأولى الخاصة بالنص تقرر أن الجرائم يعاقب عليها بمقتضى القانون “المعمول به” وقت ارتكابها، بينما تقرر الفقرة الثانية أنه “إذا صدر” قانون أصلح للمتهم، وهذا الاختلاف فى التعبير مقصود من المشرع. وقد قضت محكمة النقض بأنه يكفى لكى يستفيد المتهم من القانون الجديد الأصلح له أن يكون هذا القانون قد صدر ولو كان موعد العمل به لم يحن بعد، لأن الأصل فى القوانين أن تكون نافذة بإصدارها من جانب رئيس الدولة وأن تعليق تنفيذها على العلم باصدارها مرده الى حرص واضعو الدستور على عدم أخذ الناس بالقوانين ما لم يكونوا قد علموا بها، وهى علة تقوم فى شأن القوانين المقررة لعقوبات ولاوجود لها بالقياس الى غيرها من القوانين فيتعين الرجوع الى الأصل وهو نفاذ القوانين بمجرد إصدارها وعلى الأخص فيما هو أصلح للمتهم. ومفاد ذلك أن علم الناس بالقانون المقرر للعقوبات لا سبيل الى تحقيقه إلا بنشره ومضى المدة التى تعتبر قرينة على العلم والنفاذ فى حقهم ، ومن ثم كان النفاذ شرطاً لمحاسبتهم بأحكام القانون؛ أما القانون الأصلح للمتهم فلا يلزم لتطبيقه علم المتهم او افتراض علمه به لأنه لن يضار من تطبيقه عليه .

استفادة المحكوم عليه من القانون الأصلح له الصادر بعد الحكم نهائيا فى الدعوى

اشتراط أن يكون القانون الجديد الأصلح للمتهم قد صدر قبل صدور الحكم النهائي فى الدعوى لا محل لتطلبه إذا كان القانون الجديد قد جعل الفعل الذى حكم على المجرم من أجله غير معاقب عليه. ففى هذه الحالة يستفيد المحكوم عليه من القانون الجديد ولو صدر بعد أن صار الحكم الصادر عليه نهائياً. وقد نصت على هذا الحكم الفقرة الثالثة من المادة الخامسة من قانون العقوبات المصري بقولها “إذا صدر قانون بعد حكم نهائى يجعل الفعل الذى حكم على المجرم من أجله غير معاقب عليه يوقف تنفيذ الحكم وتنتهى أثاره الجنائية”.

أ. شروط استفادة المحكوم عليه من القانون الجديد الأصلح له 

نصت الفقرة الثالثة من المادة الخامسة من قانون العقوبات على شرطين يلزم توافرهما كى يستفيد المحكوم عليه من القانون الجديد الأصلح له، على الرغم من صدوره بعد الحكم نهائيا فى الدعوى، وهما:
1.أن يكون القانون الجديد قد صدر بعد الحكم النهائى فى الدعوى، وهذا شرط بديهى لأنه إذا كان القانون الجديد قد صدر قبل الحكم النهائي ، فإن المتهم يستفيد منه طبقاً لنص الفقرة الثانية من المادة الخامسة السابق الكلام عنها. وهذا هو الوجه الأول من أوجه الاختلاف بين حكم الفقرة الثانية وحكم الفقرة الثالثة من المادة الخامسة من قانون العقوبات.
2. أن يكون القانون الجديد قد جعل الفعل الذى حكم على المتهم من أجله غير معاقب عليه. ويكون الفعل غير معاقب عليه إذا كان القانون الجديد قد رفع الصفة الإجرامية عنه، إما بإلغاء نص التجريم أو باضافة سبب إباحة؛ كما يكون الفعل غير معاقب عليه طبقاً لهذا النص إذا كان القانون الجديد قد قرر مانع مسؤولية أو مانع عقاب يستفيد منه المحكوم عليه بحكم نهائى، ولو كان غيره من المتهمين لا يستفيدون منه لخلوهم من الصفة التى تطلبها القانون الجديد لتطبيق المانع . فإذا كان القانون الجديد لم “يجعل الفعل غير معاقب عليه” بالمعنى السابق، فلا يستفيد منه المحكوم عليه بحكم نهائى ولو كان أصلح له من وجه آخر، وهذا هو مدلول الصلاحية فى الفقرة الثالثة والذى يعد الوجه الثاني من أوجه الاختلاف بين حكم الفقرة الثانية والفقرة الثالثة من المادة الخامسة من قانون العقوبات. وتطبيقاً لذلك لا يستفيد المحكوم عليه من القانون الجديد الذى يقتصر على تخفيف العقوبة دون رفعها كلية مهما كانت درجة التخفيف، حتى ولوكان الجزء الذى نفذ من العقوبة يزيد بكثير عن الحد الأقصى للعقوبة المقررة فى القانون الجديد.

ب- نطاق استفادة المحكوم عليه من القانون الجديد الأصلح له

يترتب على صدور القانون الجديد الذى يجعل الفعل غير معاقب عليه، وقف تنفيذ الحكم النهائى الصادر ضد المحكوم عليه قبل صدور القانون وانتهاء الأثار الجنائية لهذا الحكم . فإذا كان الحكم لم يبدأ تنفيذه، امتنع البدء فى تنفيذ العقوبة المحكوم بها؛ وإذا كان التنفيذ قد بدأ، تعين عدم الاستمرار فيه، فيخلى سبيل المتهم المحبوس فوراً، وإن كان محكوماعليه بالغرامة سقطت عنه هذه العقوبة ، فلا يمكن المطالبة بتنفيذها، او بتنفيذ الجزء الذى كان متبقياً فى ذمة المحكوم عليه بها. وتسقط كذلك العقوبات التبعية والتكميلية، فيعود اليه الحق الذى حرم من ممارسته نتيجة الحكم عليه بعقوبة أصلية، كما تزول كافة الآثار الجنائية للحكم باعتباره سابقة فى العود، وبصفة عامة يصبح المحكوم عليه فى مركز من لم يصدر عليه حكم جنائى.
لكن يلاحظ أن نطاق استفادة المحكوم عليه من القانون الذى يجعل الفعل غيرمعاقب عليه مقتصر بصريح النص على تنفيذ الحكم الجنائى وانتهاء آثاره الجنائية. ويعنى ذلك أن الآثار غير الجنائية لا يشملها وقف تنفيذ الحكم الجنائي، فالتعويض المدنى المحكوم به للمضرور من الجريمة يظل ديناً فى ذمة المحكوم عليه الذى استفاد من القانون الجديد الأصلح له ولا يعد من الآثار الجنائية للحكم، وكذلك الرد باعتباره جزاء مدنياً، وليس من الآثار الجنائية للحكم، يلتزم به المحكوم عليه فلا يشمله وقف تنفيذ الحكم الجنائى.

ثانياً:- القوانين المؤقتة

قرر القانون الخروج على فكرة رجعية القوانين الأصلح للمتهم، باستثناء القوانين المؤقتة من مجال تطبيق قاعدة الأثر الرجعي للقانون الأصلح. 

أ. ماهية الاستثناء

نصت الفقرة الأخيرة من المادة الخامسة من قانون العقوبات على هذا الاستثناء من قاعدة رجعية أثر القانون الأصلح للمتهم المقررة بالفقرتين الثانية والثالثة من هذه المادة ، بقولها 
“غير أنه فى حالة قيام إجراءات الدعوى أو صدور حكم بالادانة فيها، وكان ذلك عن فعل وقع مخالفاً لقانون ينهى عن ارتكابه فى فترة محددة فإن انتهاء هذه الفترة لا يحول دون السير فى الدعوى أو تنفيذ العقوبات المحكوم بها”. 
وواضح وجه الاستثناء من قاعدة الأثر الرجعي للقانون الأصلح، فالفعل ارتكب فى ظل قانون مؤقت بفترة محددة ، وبعد انقضاء هذه الفترة عمل بقانون جديد يرفع عن الفعل الصفة الإجرامية أو يخفف العقاب الذى كان مقرراً له، ومع ذلك يقرر المشرع أن من ارتكب الفعل خلال الفترة التى خضع فيها للقانون المؤقت، يظل مؤاخذاً بأحكام هذا القانون، على الرغم من زواله والعمل بقانون جديد يحقق مصلحة المتهم، ولو كان ذلك قبل أن يصدر فى الدعوى حكم نهائى.
وقد قصد المشرع من هذا الاستثناء حرمان المتهم أو المحكوم عليه من الاستفادة من انقضاء المدة التى ينهى فيها القانون المؤقت عن فعل أو يأمر به، وإلا ضاع الغرض المقصود من القوانين المؤقتة، التى يكون سنها لمواجهة ظروف طارئة، ومفروض أنها ستزول فى أجل معين بانتهاء هذه الظروف.
ويبرر هذا الاستثناء اختلاف مدلول إلغاء القوانين المؤقتة عن إلغاء غيرها من القوانين العادية، فإلغاء القانون العادى معناه ثبوت عدم صلاحيته وعدم فائدته للمجتمع بسبب عيب فى القانون، ومن ثم لا يكون هناك مبرر للتمسك بالعقوبة السابقة وعدم تطبيق القانون الجديد بأثر رجعي على الأفعال التى ارتكبت فى ظل قانون سابق ثبت فساده. أما إلغاء القانون المؤقت فلا يتضمن هذا المعنى، لأن القانون المؤقت يوضع لتحقيق غرض معين فى فترة معينة يكون مفيداً خلالها وتزول فائدته بانتهاء الظروف التى دعت إلى إصداره، فإذا طبقنا القانون الذى يليه على الأفعال السابقة لمجرد كونه أصلح للمتهم، فمؤدى ذلك ن يستفيد المتهم الذى خالف القانون المؤقت أثناء سريانه من مجرد انتهاء فترة سريانه بغير مبرر تفرضه علة رجعية النصوص الأصلح للمتهم، والتى لا تتوافر أصلاً فى هذه الحالة، ولذلك يكون الواجب استثناء القوانين المؤقتة من قاعدة رجعية القوانين الأصلح للمتهم لانتفاء علة تقرير الرجعية فى حالة القوانين المؤقتة. يضاف الى ذلك أن إخضاع القوانين المؤقتة لقاعدة الأثر الرجعى، وعدم توقيع العقاب الذى تقرره بعد انقضاء فترة العمل بها على من خالف أحكامها خلال هذه الفترة، مؤداه تشجيع الناس على مخالفة هذه القوانين والإفلات من أحكامها، بتعطيل إجراءات المحاكمة بالوسائل القانونية المقررة فى قانون الإجراءات الجنائية حتى تنتهي الفترة المحددة لسريان هذه القوانين، وفى ذلك تفويت للغرض الذى قصده المشرع من إصدارها.

ب. نطاق الاستثناء 

يثير تحديد نطاق هذا الاستثناء صعوبات، تتعلق بماهية القوانين “المحددة الفترة”.
1. المقصود بالقوانين المحددة الفترة :
يميز الفقه بين نوعين من القوانين المؤقتة : قوانين مؤقتة بطبيعتها، وهى التى تسن لمواجهة ظروف خاصة طارئة، وهذه لا يحدد المشرع فترة لسريانها، فلا يعرف مقدماً تاريخ انتهاء العمل بها، ولا تلغى إلا بقانون جديد يقرر إلغاءها إذا ما انتهت الظروف التي دعت الى إصدارها . وقوانين مؤقتة بنص فيها، وهذه يحدد المشرع فترة العمل بها وتاريخ انتهاء مفعولها، ولذلك تلغى من تلقاء نفسها بمجرد انتهاء الفترة المحددة للعمل بها، دون حاجة الى صدور قانون جديد يقرر إلغاءها.
وقد ذهبت محكمة النقض المصرية الى أن المقصود فى نص الفقرة الرابعة من المادة الخامسة بتعبير القوانين “المحددة الفترة” القوانين المؤقتة بنص فيها، أى القوانين التى يسرى حكمها فى فترة زمنية محددة عند صدور القانون وينتهى العمل بها بانقضاء هذه الفترة.
فهذه القوانين لا يستفيد المتهم من انقضاء الفترة المحددة لسريانها إذا انتهت قبل أن يصدر فى الدعوى حكم نهائى، أى أن المتهم يحاكم وفقا لها متى كان قد ارتكب فعله أثناء فترة سريانها، ولو لم يكن قد صدر ضده حكم نهائى قبل انتهاء فترة العمل بها. أما القوانين المؤقتة بطبيعتها، وهى قوانين استثنائية تصدر لمواجهة ظروف معينة ولا يكون منصوصاً فيها على فترة معينة لسريانها، ولا ينتهى العمل بها بعد زوال الظروف التى دعت الى إصدارها إلا إذا صدر قانون جديل يقرر ذلك، فهذه القوانين لا تدخل فى مفهوم نص الفقرة الرابعة، وإنما تأخذ حكم القوانين العادية فيما يتعلق بالأثر الرجعى للقانون الأصلح ، فيستفيد من إلغائها المتهم الذى خالف أحكامها أثناء فترة سريانها، ولو كان قد صدر ضده حكم نهائى بالإدانة قبل الإلغاء.
فى النهاية آخر نقطة انت من ستضيفها فى التعليقات، شارك غيرك ولا تقرأ وترحل.
سش

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انتقل إلى أعلى